عمران سميح نزال
207
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
مع دولة المؤمنين وهم قلّة في بدر ، وعجزوا عن هزيمتهم في معركة أحد ، وكانت هزيمتهم للكفار ومن حالفهم ما حقة في معركة الأحزاب ، وانتصارا عظيما لدولة المسلمين المؤمنين ، فآن الأوان لمن يحارب النبي والمسلمين والمؤمنين أن يفكّر في حقيقة المعركة مع هذه الدعوة الصادقة والدولة الفتية المؤمنة ، التي تحقّق انتصارا تلو انتصار ، بل إن الانتصار الأخير في معركة الخندق كان مما تعجز عنه كل القوى البشرية . لذلك أراد اللّه تبارك وتعالى أن يمهل دولة قريش الكافرة ( الكافرين ) وهم أعداء الخارج القريب ، ويمهل المنافقين من أهل المدينة وهم أعداء الداخل القريب ، حتى يتفكّروا فيما يشاهدونه من معجزات النصر المبين ، أراد أن يمهلهم فلا يعجّل لهم العقوبة ، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يقابل أذيّتهم له في معركة الأحزاب ، بشنّ الحرب عليهم فورا ، كما فعل مع بني قريظة ، وكان من الممكن ألّا يفعل ذلك مع بني قريظة لولا أنهم خانوا العهد ، ولولا أنهم خانوا دستور الدولة التي يعيشون فيها ، فقد أعطى دستور المدينة اليهود وغيرهم حقوقهم وفرض عليهم واجباتهم ، تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع المدني المسلم منذ اللحظة التي أعلن فيها الدستور أن المسلمين والمؤمنين أمة واحدة من دون الناس ، كما هو ثابت في الدستور المدني الأول للمسلمين ومن معهم من اليهود « 1 » . أي أن هذه الآية في وحدتها التاريخية هي التي منحت الفرصة لدولة المؤمنين أن تستجمع قواها ، وأن ترتّب أولوياتها بعد غزوة الأحزاب وقريظة إلى عدم محاربة قريش ولا المنافقين من أهل المدينة ، حتى تتوفّر الظروف لإيصال رسالة الإسلام إلى كل أهل الجزيرة العربية ، كما وضحت مناسبة الآيات السابقة بإرسال بعثة علي ومعاذ إلى اليمن ، وحتى يتمّ فتح صفحة جديدة مع أهل مكة دون دولتهم الكافرة الزائلة عما قريب ، ولذلك بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بالتخطيط إلى العمرة ، أي أن التخطيط إلى زيارة مكة معتمرا كان عملا بمقتضى هذه الآية من سورة الأحزاب ، بل وما تم في تلك العمرة من صلح الحديبية كان بمقتضى هذه الآية التي أذنت للنبي عليه
--> ( 1 ) انظر : مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، محمد حميد اللّه ، دار النفائس ، بيروت ، الطبعة السادسة ، 1407 ه - 1987 م ، ص 57 .